العودة للخلف

3) الصحيح

تاريخ النشر: 18 / 09 / 2026
: 2

قال الناظم  رحمه الله :

3- أَوَّلُها الصَّحِيْحُ وهْوَ مَا اتَّصَلْ

 

إِسْنَادُهُ وَلَم يَشُذَّ أَوْ يُعَلّ

4- يرْوِيْهِ عَدْلٌ ضَابِطٌ عَنْ مِثلِهِ

 

مُعْتمَدٌ في ضَبْطِهِ وَنقْلِهِ

هذا أولُ أقسام الحديث التي ذكرها في المقدمة في قوله: (وذي من اقسام الحديث).

قوله: (أولها) بدأ بالصحيح لأمور:

- لشرفه وعُلوّ رتبته على سائر الأقسام التي تليه.

- ولأنه كالأصل لها.

- ولأنه هو المقصود مِن أجل أن يتم الاستدلال به، وإنما نريد تمييز المردود لئلا يختلط به.

- ولأنَّ مدار الاحتجاج والتعبُّد والامتثال لأوامر الله على الحديث الصحيح، الحديث المقبول.

قوله: (الصحيح) هذا لقبه (وهو) هذا حدّ الصحيح. وهو لغة: السليم.

قوله (ما اتصل... الخ):أي هو الحديث الذي اجتمع فيه أربعة شروط. منقسمة إلى قسمين:

- شروط وجودية. أي لابد من وجودها.

- شروط عدمية. أي لابد من عدمها.

الشرط الأول :اتصال السند.

الثاني:  ثقة رواته وتمام ضبطهم.

الثالث: كونه كذلك في جميع طبقاته. وهذه الثلاثة هي الشروط الوجودية.

الرابع: عدم الشذوذ والعلة.

قوله: (ما اتصل) بحيث لا يحصُل فيه سقط. وهو من وصَل الشيءَ بغيره. بحيث لا يَنقطع. أي أن يَسمعَ كلُّ راو، أو يأخذ كل راو ممن فوقه. أي شيخه في ذلك الحديث. وقد يكون قرينًا له، لكن في ذلك الحديث هو شيخه. فلا يكون هناك واسطة ساقطة، أو مُدلَّسة.

ولا نصفه بالصِّحة حتى نعلمَ أو يغلب على ظنّنا أنَّ كلّ راو أخذ عمن فوقه، بدون انقطاع ولا سقط من سنده. فقوله: (وهو ما اتصل إسناده) هذا هو الشرط الأول: أن يكون متصلًا أي أن يسلمَ مِن سَقط فيه.

قوله: (إسناده): يعني في جميع طبقاته، فلا يحصُل سقط من أول السند ولا من وسطه ولا من آخره.

لأنه إذا سقط من أوله شيء من عند المصنف نسميه المعلَّق وقد خرج بهذا الشرط.

وإذا سقط من أثنائه بعض الرواة نسميه المنقطع أو المعضل. وإذا سقط من بعد التابعي هذا هو المرسل. وكلّها خرجَتْ عن وصف الصحة بهذا الشرط.

وسواء كان السَّقط ظاهرا أو خفيًا مظنونا كالحديث المدلَّس، فإذا وجد في الإسناد مدلِّس من طبقة يُحترز مِن تدليسها ولم يصرّح بما يفيد الأخذ مباشرة فلا نحكم بالصحّة. لأنّ عندنا احتمالًا كبيرًا في وجود سقط.

وعليه لا تأت إلى حديث المدلّس المكثر من التدليس وقد عنعن فتصفه بالصحّة.

وقوله: (إسناده) الإسناد: رفع الكلام إلى قائله. والسَّند: حكاية طريق المتن أو سلسلة الرواة الموصلة للمتن. هذا في الأصل ثم إنهم يطلقون الإسناد على السند.

يعني: الرواة الذين وصل المتن إلينا عن طريقهم،  وهذا السند قد يكثر رجاله وقد يقلّون.

قوله: (ولم يشذ أو يعل) أي لم يكن هذا الحديث الذي تريد أن تصفَه بالصحة شاذًّا

والشاذ: مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. ثقة أو عددًا.

يعني لا يخالف الراوي فيتفرّد عن غيره ممن اشترك معه في رواية الحديث.

ومحل هذا الشذوذ:

- الإسناد كما لو خالفَ في تسميةٍ أو نِسبة راو، أو خالف في الصّيغة.

- المتن كما لو شذَّ بكلمة أو تأريخ، أو صفة، أو عدد، ونحوه.

قوله: (أو يعل) يعني ولم يكن الحديث مما أعلَّه العلماء. والعلة: سببٌ خفيّ غامض يطرأ على الحديث فيقدح في صحته.

فإذا طرأتْ على الحديث منعتْ من الحكم عليه بالصِّحة. يعني السند الذي بين يديك ظاهره الاتصال، ورجاله كلهم عدول ضابطون، ليس فيه سقط ولا مجروح، لكن بعد التفتيش ظهرتْ علّة مثلًا: أنَّ الصواب فيه الإرسال أو الوقف. أو أن الراوي المذكور الذي بين يديك ليس هو الثقة وانما هو الضعيف وهكذا.

فلا يُكتفى بظاهر السَّند الموجود إذا ظهرتْ فيه عِلّة، بل لا بد أن يَسلَم من العلة.

والمقصود بالعلة هنا: العلة التي تقدح، وتسمّى العلة القادحة.

قوله: (ولم يَشذّ أو يُعل) الأول مبني للفاعل. والثاني مبني للمفعول، يعني مغير الصيغة.

وفي كتب لغة: شذَّ والمضارع بالكسر فعَل يفعِل شذَّ يشِذ وجاء يشُذ بضمّ الشين شذًّا وشُذوذا أي ندر عن الجمهور أي انفردَ عنهم كذا في بعض المعاجم المعتمدة، ولهذا كثير ممن يقرأ هذه المنظومة يقول ولم (يشِذ) وهو صحيح أو تقول ولم (يشُذ) لا بأس.

(يشذ) الضمير يعود على الرواي المفهوم من قوله: (ما اتصل إسناده) أي بذكر كل نقلته ورواته. (يُعل) الضمير يعود على الحديث أي لم يُعلّه أحدٌ من أئمة الحديث.

إذن لم يَشِذّ الراوي ولم يُعل أي الحديث لم يعله أئمة الحديث والعلل.

قوله: (يرويه عدل ضابط) هذا يختصره العلماء بالتعبير عن الراوي بقولهم: ثقة.

وربما قال ابن حجر: ثقة ضابط، كما في ترجمة سليم بن أخضر، وفضالة بن إبراهيم وقرة بن خالد. من التقريب.

والعدالة في الراوي ترجع إلى دينه واستقامته على الشرع.

والضبط يرجع إلى الحفظ والإتقان.

والضبط نوعان: ضبط صدر وضبط كتاب.

- فضبط الصدر أن يُثبت مسموعاته ومروياته ويثبّتها ويراجعها بحيث إذا احتاج إليها استطاع أنْ يروي أو يحدّث بها أو يذاكر بها فهي حاضرة عنده.

ولهذا كانوا يمتحنون بعضَ الرواة يُسأل عن حديث الآن ويُطلب منه أنْ يحدّث به بعد زمن، ومنهم مَن يحدث بحديث ثمّ يحدث به بعد سنوات فلا يخرم منه حرفًا ولا يختلف لضبطه وحفظه. هذا ضابط ضبط الصدر. ومعتمده على حفظه.

- أما ضبط الكتاب فيعني أن يكتُب ما يَسمعه من المحدثين أو ما يمليه العلماء في مجالس الإملاء ثمّ يصون هذا الكتاب ويحفظه بحيث لا يدخل فيه ما ليس من مسموعه، حتى يتأهّل هو للجلوس للتحديث للناس. فيحدّث من هذا الكتاب وهو كتاب متثبت منه، ضابط له، ما فيه أي إدخال أو إلحاق لحديث لم يسمعْه. أو إضافة راو في موضع الإرسال أوالسّقط. لأنه مثلا قد يسمع الحديث عن عطاء مرسلًا. فيأتي ورَّاق سوء أو يُعيْره لمن يعبَث به فيزيد (عن جابر) مثلًا.

ثمّ يأتي صاحب الكتاب يحدِّث به متصلًا وهو في الحقيقة سمعه مرسلًا. هذا ينتقده العلماء ويبيّنونه. ولهذا تجد أقرب كتاب بين يديك التقريب يهتم بهذا ومن الأمثلة:

أحمد ابن الأزهر بن منيع أبو الأزهر العبدي النيسابوري صدوق كان يحفظ ثم كبر فصار كتابه أثبت من حفظه من الحادية عشرة مات سنة ثلاث وستين س ق

جرير بن عبد الحميد بن قُرْط الضبي الكوفي ثقة صحيح الكتاب قيل كان في آخر عمره يَهم من حفظه مات سنة ثمان وثمانين وله إحدى وسبعون سنة ع .

حاتم ابن إسماعيل المدني أبو إسماعيل الحارثي صحيح الكتاب صدوق يهم من الثامنة مات سنة ست أو سبع وثمانين ع.

سعيد بن منصور بن شعبة أبو عثمان الخراساني نزيل مكة ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدّة وُثوقه به مات سنة سبع وعشرين وقيل بعدها من العاشرة ع.

صخر ابن جويرية أبو نافع مولى بني تميم أو بني هلال قال أحمد ثقة ثقة وقال القطان ذهب كتابه ثمّ وجدَه فتُكلِّم فيه لذلك من السابعة خ م د ت س.

وقال في تهذيب التهذيب 4 / 410 : الذى فى «تاريخ ابن أبى خيثمة»: رأيت فى كتاب على : قال يحيى بن سعيد : ذهب كتاب صخر فبعث إليه من المدينة. وفيه أيضًا: سمعتُ ابن معين يقول: صخر بن جويرية ليس حديثه بالمتروك إنما يتكلم فيه لأنه يقال إن كتابه سقَط!.

عبد الله بن صالح بن محمد الجهني أبو صالح المصري كاتب الليث صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه وكانت فيه غفلة من العاشرة مات سنة اثنتين وعشرين وله خمس وثمانون سنة خت د ت ق.

وهكذا أمثلة كثيرة يبينون أنّ الراوي ثبت في كتابه ضابط له، أو في كتابه خلل.

قوله: (يرويه عدل ضابط) لا بد أن يكون عدلًا، وهل يكفي أن يكون عدلا؟

لا؛ لابد أن يكون ضابطًا، قد يكون من أكثر الناس عبادة وتقوى وخشية أو قد يكون قاضيًا أو إمامًا للناس لكنه ضعيف في الحفظ، وقد يكون العكس، حافظا لكنه ليس بعدل يوجد بعض الحفاظ غير عدول. فروايتهم غير مقبولة، وأيضًا جرحهم وتعديلهم غير مقبول، كابن عقدة وابن خراش والجعابي والشاذكوني.

قوله: (معتمد في ضبطه) هذا قيد للضبط المشترط في الصحيح. الناظم ذكر الضبط مرتين في البيت:

- المرة الأولى -في صدر البيت- لبيان اشتراطه.

- والمرة الثانية -في عجز البيت- ليبين ويقيّد هذا الضبط المُشتَرط.

وفائدة ذلك: التمييز بين الصحيح لذاته والحسن لذاته، وهو أحسَن فرق بينهما.

إذن نقول: يرويه عدل تامّ الضبط. يعني غاية في تمام الضبط.

وقوله: (عن مثله) هذا شرْط كما سبق. ومتعلّقه: الاتصال، وثقة الرواة.

أي يَسلم في جميع طبقات السند من: السقط، ومن غير ثقة.

قوله: (يرويه): هو مِن رَوى يَروي اسم الفاعل منه: راو وللمبالغة يقال راوية. والجمع رُواة. ومن هنا جاء اسم (راوي) و (رواه).

وما تعريف الراوي؟ هو: مَن ينقل الحديث ويكون في الإسناد، من الصحابة، إلى المصنِّفين كالشافعي وابن عبدالبر. يعني يأخذ عن الشيوخ ويرويه إلى غيره يُبلّغه. هذا هو الراوي. وهذا لإخراج المذكور في السند وليس براوي فلابد أن تنتبه، فيه بعض الناس يذكر في السّند وليس براوي، مثلا: كنت أنا وفلان فذهبنا إلى بيت فلان بن فلان. ولقينا فلانًا فحدّثنا أنَّ فلانا قال. الآن: عندك تلميذ وشيخ، وفيه مجموعة ما لهم علاقة فيه. فلابد أن تنتبه؛ تعرف الراوي مَن هو الراوي? هو الذي ينقُل الحديث عن الشيخ أما المذكور في الإسناد وليس براو فهذا لا يؤثر فيه، وما له علاقة. لكن لو كان معطوفًا فهؤلاء رواة فلان وفلان وفلان وفلان هؤلاء اقترنوا وكلّهم رواة.

قوله: (عدل): خرج به أمور كثيرة مما يخالف العدالة. وبيّن ابن حجر في  «النخبة» و«النزهة». ماذا يخرج بشرط العدالة، وماذا يخرج بشرط الضبط، وبشرط الاتصال.

والعدل على المشهور: «مَن له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمحافظة على مروءته». وقيل: «مَن سدَّد وقارب وكان خيره أكثر من شره، مع استقامة في دينه ومروءته».

فخرج: الفاسق والمجهول والمبتدع والكذاب. وخرج بالضابط: المغفل وكثير الأوهام والنسيان والمختلط المتغير تغيّرا شديدًا ومن يَقبل التلقين إلى آخره.

مثال للحديث الصحيح: قال الامام البخاري  رحمه الله  حدثنا سعيد ابن عفير قال حدثنا ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن حميد بن عبد الرحمن قال سمعت معاوية  رضي الله عنه  يقول قال رسول الله ﷺ «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدِّين».

هذا الحديث متصل الإسناد ما فيه سقط، ورواته كلهم عدول ضابطون وليس بشاذ ولا معلّ.

فهذا الحديث يوصف بأنه صحيح. وعند الإطلاق فالمراد بالصحيح: الصحيح لذاته. فإنّ الحد المذكور لهذا النوع من نوعي الصحيح.

 فإنّ الصحيح نوعان:

- صحيح لذاته.

- صحيح لغيره.

والحد المذكور للصحيح لذاته. وهو الذي لا يفتقر الحكم عليه بالصحّة على مزيد عليه، بل هذا الوصف استحقه من نفسه لاستجماعه كل الشروط.

أما الصحيح لغيره فيحتاج إلى ما يجبر نقص وخلل فيه، فوصف الصِّحة اكتسبها من المجموع، لا من نفسه، وهو: الحديث الذي خفّ ضبط راويه، واعتضد بغيره. يعني الحسن لذاته الذي تعدَّدت طرقه. يصير صحيحًا لغيره.

أما النوع المذكور في النظم فإنّ الصحة مستمدة من نفسه لاجتماع الشروط.

جميع الحقوق محفوظة © موقع الشيخ ابي محمد عبدالله بن لمح الخولاني - 2026
تم النسخ بنجاح